أبو الليث السمرقندي
370
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 11 إلى 15 ] فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ ، يعني : من المسجد . فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ، يعني : أشار وأومأ إليهم ، ويقال : كتب كتابا وألقاه على الأرض ولم يقدر أن يتكلم به . أَنْ سَبِّحُوا ، يعني : صلوا للّه تعالى بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، يعني : غدوة وعشيا . فعرف عند ذلك أنه آية الولد . قوله عز وجل : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ، يعني : أوحى اللّه تعالى إليه أن : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ، يعني : بجد ومواظبة وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، يعني : أجرينا الحكم على لسانه في حال صغره ، وذلك أنه مرّ بصبيان يلعبون ، فقالوا له : تعال حتى نلعب . فقال لهم : ما للعب خلقنا . ويقال : خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ، أي بجدّ وعون من اللّه تعالى ، ويقال بكثرة الدرس . آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، يعني : النبوة والفقه والخير كله في صغره وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا ، يعني : آتيناه رحمة من عندنا ، وأصله : من حنين الناقة على ولدها وَزَكاةً ، يعني : وصدقة منا ، ويقال : التطهير ، ويقال : صلاحا في دينه . وقال سعيد بن جبير : الزكاة التزكية . وَكانَ تَقِيًّا ، يعني : مطيعا لربه ، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ، يعني : مطيعا لهما ولا يعصيهما . وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ، يعني : لم يكن قتّالا ، والجبار الذي يقتل على الغضب ، ويضرب على الغضب عَصِيًّا ، يعني : لم يكن عصيا لربه ، والعصيّ والعاصي واحد . قوله عز وجل : وَسَلامٌ عَلَيْهِ ، أي السلام من اللّه عز وجل والسعادة تناله يَوْمَ وُلِدَ ، أي حين ولد وَيَوْمَ يَمُوتُ ، يعني : حين يموت وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ، أي : حين يبعث حيا . وروى قتادة عن الحسن أن يحيى عليه السلام قال لعيسى عليه السلام حين التقيا : أنت خير مني . فقال عيسى صلوات اللّه عليه : بل أنت خير مني ، سلم اللّه عليك وأنا سلمت على نفسي . وروي عن بعض الصحابة أنه قال : « ما من الناس أحد إلا وهو يلقى اللّه عز وجل يوم القيامة وهو ذو ذنب إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام » وروي عن الحسن ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما أذنب يحيى ولا هم بامرأة » « 1 » . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 16 إلى 21 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 )
--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 5 / 468 إلى عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم .